فقه اهل بیت علیهم السلام - فارسی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٣٥٩ - سلسلة بحوث فقه الحكم الاسلامي المهـادنة ولي أمر المسلمين آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئي
ليست تشير فقط إلى الكفّار الذين كانوا يلون المسلمين يومئذٍ، أو قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ... } (٢٩)، فإنّها لا تعني قتال فئة خاصّة تقاتل المؤمنين في ذاك الوقت، بل تصدّى كلّ منهما لحكم كلّي سارٍ وجارٍ في جميع الأزمنة والأمكنة وبالنسبة إلى جميع طوائف الأعداء، فكلّما وجد الموضوع في أيّ زمان وأيّ مكان، وقع عليه الحكم، شأن جميع القضايا الحقيقية، هذا هو مبنى الاستدلال بالآية الشريفة على وجوب الجهاد عند انسلاخ الأشهر الحرم في كلّ عام، ومن الطبيعي أنّ المراد بالأشهر الحرم في الآية بناءً على هذا، هو الأربعة المعروفة، أو الثلاثة المجتمعة منها بالذّات.
لكنّك عرفت ممّا قلناه في الأبحاث السابقة (٣٠)، ضعف هذا المبنى، وعدم الاعتراف منّا بكون المراد من الأشهر الحرم تلك الأربعة المعروفة، ويتّضح ذلك من النظر إلى الآية الشريفة عن كثب، وإلى الربط المنطقي عرفاً بينها وبين التي قبلها من الآيات، وإليك النظرة الإجمالية إليها:
لمّا أعلن تعالى براءته وبراءة رسوله عن المعاهدين من المشركين، أمهلهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض، ثمّ قرن التوعيد والتهديد لهم في قوله تعالى: {فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ } (٣١) بترغيبهم وحثّهم على الإيمان في قوله تعالى: {فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } (٣٢)، ثمّ بعد ذلك التفت إلى المؤمنين وبيّن لهم حكم معاملة المشركين المعاهدين: من لم ينقض منهم عهده، ومن نقض، فأمّا من راعى العهد ولم ينقضه، فأمر المؤمنين بأن يتمّوا عهدهم إلى مدّتهم ولا يتخلّفوا عمّا عاهدوهم عليه، وأمّا من نقض العهد وأظهر العداوة في أثناء مدّة المعاهدة، فأمرهم بأن يقتلوهم بعد تمام الأربعة أشهر التي أمهلهم فيها، ويبيدوهم حيث يجدونهم ويأخذوهم ويحصروهم ويقعدوا لهم كلّ مرصد، وأن لا يحدّثوا أنفسهم بالمعاهدة معهم بعد ذلك، إذ كيف يكون لهم عهد عند اللّه وعند رسوله والحال أنّهم إن يظهروا على المؤمنين ويقدروا على إيذائهم والتحامل عليهم لا يرقبوا في مؤمن إلاًّ ولا ذمّة .. إلى آخر الآيات.
(٢٩) البقرة: ١٩٠.
(٣٠)تقدّم ذلك في بحث آخر، وهو المطلب التاسع (من الفصل الرابع) في حكم القتال في الأشهر الحرم.
(٣١) التوبة: ٣.
(٣٢)المصدر السابق.