فقه اهل بیت علیهم السلام - فارسی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٣٤٨ - سلسلة بحوث فقه الحكم الاسلامي المهـادنة ولي أمر المسلمين آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئي
الصلح والسلم أمر جائز في كلّ زمان ولو مع عدم الحاجة إليه وفقد مصلحة فيه، فضلاً عن صورة وجود مصلحة في تركه؛ إذ لازم ذلك لغويّة ذاك الحثّ والتوكيد والتهديد والتوعيد، وتكون النتيجة هي أنّ تلك الأوامر الأكيدة بالجهاد في آيات الذكر الحكيم لا تحمل حكماً إلزامياً، بل إنّما هي مسوقة لبيان جواز قتال العدو، وكونه أمراً راجحاً غير ممنوع عنه! وهذا خلاف مقتضى الحكمة في كلام الباري الحكيم عزّ اسمه، فتلك الآيات وهكذا المناسبات العرفية بين الحكم والموضوع بنفسهما كافية لإثبات أنّ الإقدام على السلم مع العدوّ المحارب ليس أمراً جائزاً ومباحاً في أيّ وقت وعلى أي حال، بل جوازه متوقّف على وجود ما يكفي في تبرير الإقدام عليه من الشرائط والأحوال التي يعبّر عنها بالمصلحة. هذا مضافاً إلى ما يدلّ بظاهره على المنع من السلم والمداراة والتودّد مع الأعداء المحاربين، كقوله تعالى: {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ } (١٠)، وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْراجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ } (١١)، وقوله تعالى: {لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمِ بِالْمَوَدَّةِ } (١٢)، وغيرها من الآيات الكثيرة في هذا الباب.
فحاصل الأدلّة بمجموعها: أنّ وجود المصلحة في قبول الصلح أو اقتراحه على العدوّ شرط شرعاً في جواز ذلك.
ثمّ إنّ المصلحة في هذا الباب لا تنحصر فيما ذكره الفقهاء٤ من ضعف المسلمين وقلّتهم عن المقاومة، أو رجاء دخول الكفّار في الإسلام، أو الحصول على المال الذي يبذلونه للمسلمين. فهناك مصالح اُخرى تناسب ظروف العالم في كلّ عصر، منها تحسين سمعة النظام الإسلامي كنظام يقترح الصلح على مناوئيه، ومنها تخويف عدوٍّ آخر طامع في بلاد المسلمين من جهة كونهم مشغولين بالحرب، فإذا رأى ذاك العدوّ أنّ الإمام بصدد الصلح مع مقاتليه، فإنّه يخاف ويقطع طمعه، ومنها غير ذلك ممّا يعرفه الذي بيده أمر
(١٠) محمّد: ٣٥.
(١١) الممتحنة: ٩.
(١٢) الممتحنة: ١.