مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٧٢ - الركن الثالث في الصيغة
..........
و أما ما قيل من أن الغيبة و الحضور لا تأثير لهما في السببيّة فهو مصادرة محضة، لأن الخصم يدّعي الفرق، و يحتجّ عليه بالخبر الصحيح، و هو الفارق بين الكتابة و اللفظ المشترك في السببيّة بين الغائب و الحاضر، فكيف يدّعى عدم تأثير الغيبة و الحضور؟ و بذلك انقطع الأصل الذي ادّعوه، و تثبت سببيّة الطلاق.
و أما دعوى ترجيح الأولى بموافقة الأصل و الشهرة في العمل ففيه: أن الصحيح مقدّم على الحسن، فلا تعارض. ثمَّ إن المقيّد مقدّم على المطلق، و الجمع بينهما واجب، فلا تعارض. ثمَّ إن الطلاق المدّعى وقوعه بالكتابة يدخل في عموم الطلاق، و الأصل فيه الصحّة. و أما الشهرة فحالها في الترجيح و عدمه معلوم.
و ممّا يؤيّد الصحّة أن المقصود بالعبارة الدلالة على ما في النفس، و الكتابة أحد الخطابين كالكلام، و الإنسان يعبّر عمّا في نفسه بالكتابة كما يعبّر بالعبارة.
نعم، هي أقصر مرتبة من اللفظ، و أقرب إلى الاحتمال، و من ثمَّ منع من وقوع الطلاق بها للحاضر، لأنه مع الحضور لا حاجة إلى الكتابة، بخلاف الغيبة، للعادة الغالبة بها فيها.
و اعلم أنه على [تقدير] [١] القول بوقوعه بها يعتبر القصد بها إلى الطلاق، و حضور شاهدين يريان الكتابة. و هل يشترط رؤيته حال الكتابة، أم تكفي رؤيتهما لها بعدها، فيقع حين يريانها؟ وجهان، و الأول لا يخلو من قوّة، لأن ابتداءها هو القائم مقام اللفظ لا استدامتها. و إنما تعلم النيّة بإقراره، و لو شك فيها فالأصل عدمها. و حينئذ فتكون الكتابة كالكناية، و من ثمَّ ردّها الأصحاب مطلقا
[١] من الحجريّتين.