كشف اللثام و الإبهام عن قواعد الأحكام - الفاضل الهندي - الصفحة ٥٤٢
أو قلّ. و لقد رأيت جماعة من الأصحاب أخلدوا إلى أخبار وجدُوها فيه أو في غيره كما وجدوها و أسندوا إليها آراءهم من غير أن ينتقدوها [١] و يظهر عند الرجوع إلى الكافي أو غيره أنّ الأقلام أسقطت منها ألفاظاً أو صحّفتها و أزالت كلمة أو كَلِماً عن مواضعها و حرّفتها، و ما هو إلّا تقصير بالغ و زيغ عن الحقّ غير سائغ. و لا يستندوا في تصحيح الطرق و التضعيف و الترجيح لبعضها على بعض و التطفيف إلى ما يوجد في بعض كتب الفروع من غير سبر السند برجاله و البحث عن كلّ رجل و حقيقة حاله، فإنّه إهمال و عن الحقّ إغفال، و ربما انكشف عن الكذب حال فانكشف البال و انقطع المقال. و لا يقتصروا في اللغات على كتاب أو كتابين، بل ليتجافوا عن المضاجع الجنبين حتّى ترتفع الشبهة من البين، و ليبذلوا فيها مجهودهم ثمّ لينفقوا موجودهم، فالمساهلة فيها اجتراء عظيم على اللّٰه في أحكامه و معاني كلامه و سنّة نبيّه و أقوامه شملوا بصلوات اللّٰه و سلامه ثمّ إذا ثنيت لهم الوسائد و استميحت منهم الفوائد و استفتحت بهم الشدائد و استشفيت بهم الأدواء و تصدّروا للإفتاء بعد ما أحسنوا الانتقاد و بالغوا في الاجتهاد لم يقطعوا في الخلافيّات بجواب و إن ظنّوه الصواب و ضمّوا عليه الإهاب، كدأب قوم لبّهم في الجهل عريق، و قلبهم في الحمق غريق، نراهم يحتمون على اللّٰه في أحكامه و يقطعون في الشرع بما لم ينقطع عن إبهامه و لا انسلخ عن ظلامه، فنحن في زمن الحيرة و أيّام النظرة. و أحكام الشرع إنّما يستيقنها أهله و قوّامه و عندهم الحقّ و بهم قوامه، و ليس لنا إلّا الاحتياط في الدين و مجانبة المجازفة و التخمين، فهذه وصيّتي إلى المفتين.
و اوصي المستفتين أن لا يستفتوا من العلماء مَن هجّيراه [٢] المراء و أصحابه الملوك و الامراء، فهم جفاء و أمرهم جُفاء [٣] و أفئدتهم هواء، و صدورهم خواء، و عقولهم هباء، و هم الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً وَ غَرَّتْهُمُ الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا، و هم
[١] في ل: يفتقدوها.
[٢] أي: دَأبه.
[٣] كذا، و لعلّها: جُفاة.