كشف اللثام و الإبهام عن قواعد الأحكام - الفاضل الهندي - الصفحة ١٨٨ - المطلب الأوّل في الشرائط الموجبة للقصاص
يساري معتقداً أنّها يميني، أو قال: زعمت أنّ قطعها يسقط القود عن يميني، لم يخل المقتصّ من أن يكون جاهلًا بأنّه قطع اليسار أو عالماً، فإن كان جاهلًا فلا قود عليه، لأنّه قطعها معتقداً أنّه يستوفي حقّه، فكان شبهة، و لأنّه قطعها ببذل مالكها فلا قود. و قال قوم: لا دية عليه أيضاً، لأنّه قطعها ببذل صاحبها و الصحيح أنّ عليه ديتها، لأنّه بذلها عن يمينه، فكان البذل على سبيل المعاوضة فإذا لم يصحّ كان على القابض الردّ، و إذا عدمت كان عليه ردّ بدلها. و إن كان المقتصّ عالماً بأنّها يساره فقطعها، فهذا القطع مضمون، لأنّ الباذل إنّما بذله عوضاً، فلم يسلم له، فكان على القابض الضمان. فقال قوم: أنّه مضمون بالقود، لأنّه قطع يد غيره بغير حقّ مع العلم بالتحريم. و قال آخرون و هو الصحيح: أنّه لا قصاص عليه، لأنّه قد بذلها للقطع، فكان شبهة في سقوط القود عنه [١].
و إذا ثبت أنّ قطعه اليسار مضمون، فحقّه من القصاص باقٍ له في يمين الجاني، لأنّ يساره لم يصر بدلًا عن يمينه.
ثمّ قال: هذا إذا اتّفقا من غير خلاف، فأمّا إن قطع يساره ثمّ اختلفا، فقال الباذل: بذلتها لتكون بدلًا عن يميني فلي ديتها، و قال القاطع المقتصّ: بل بذلتها مع العلم بأنّها لا تكون بدلًا عن يمينك فهدرت فالقول قول الباذل، لأنّ الاختلاف في نيّته و إرادته، و هو أعلم بها.
فإن حلف ثبت أنّه بذلها على سبيل العوض، فيكون الحكم على ما مضى يعني من ضمان الدية. فإن نكل رددنا اليمين على المقتصّ يحلف ما بذلها إلّا و هو يعلم أنّها لا يكون بدلًا عن اليمين، فإذا حلف كانت هدراً، و بقي له القصاص في يمينه.
هذا إذا اختلفا، فأمّا إن اتّفقا على قطعها باليمين. و تراضيا به لم تكن بدلًا عن يمينه، لأنّ ما لا يقع قصاصاً عن الشيء لم يقع قصاصاً عنه بالتراضي، كما لو قتل عبده عبداً لرجل، فقال له السيّد: اقتلني بعبدك، أو اقتل عبدي الآخر بعبدك، ففعل،
[١] المبسوط: ج ٧ ص ١٠١ ١٠٢.