بحوث في شرح العروة الوثقى - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٥
ومما يشهد لكون التنوين في كلمة (ماء) للتمكين لا للتنكير، قوله تعالى بعد تلك الجملة: (لنحيي به بلدة ميتا)، فان المراد من هذه العبارة الامتنانية جنس البلدة لابللدة واحدة، وإلا لم تكن امتنانا على جميع الناس. وبمقتضى قرينة وحدة السياق يظهر كون التنوين في (ماء) هو التمكين أيضا لا التنكير. وهذا هو الجواب الصحيح عن الاشكال، ولكن هنا نكتة توجب ارتفاع موضوع أصل الاشكال وأجوبته، بما فيها هذا الجواب الذي حققناه. وبيان هذه النكتة هو: أن المتشكل والمجيب كأنهما اتفقا على أن كلمة (ماء) في الاية الكريمة لو كانت مع اللام بدلا عن التنوين لتم الاطلاق الشمولي لجميع المياه، وإنما المانع عن ذلك هو التنوين، فيتكلم في مانعيته وعدمه. ولكن التحقيق أن الاشكال الثابت في المقام أعمق من هذا، بحيث يوجب عدم تمامية الاطلاق ولو كانت كلمة (ماء) في الاية غيرر مبتلاة بالتنوين، وهو أن الحكن بالطهورية لم يسند في الاية الكريمة إلى الماء بنسبة تامة، حتى يقال بأن مقتضى الاطلاق انه حكم على طبيعة الماء بلا قيد، وإنما اسند إليه بنحو التوصيف والنسبة الناقصة التحصيصية، فلا يمكن إثبات عموم الحكم لتمام أفراد الموصوف بالاطلاق، ففرق كبيد بين أن نقول: (الماء طهور) وبين أن نحكم على الماء الطهور بأنه نازل من السماء مثلا. ففي الجملة الاولى كانت الطهورية منسوبة إلى الماء بالنسبة التامة، ويمكن حينئذ التمسك باطلاق كلمة (الماء) لاثبات طهورية تمام أقسامه، وأما في الجملة الثانية فقد أخذت الطهورية قيدا للماء على نهج النسبة الناقصة لاحكما للماء على نهج النسبة التامة، فلا معنى للتمسك بالاطلاق لاثبات طهورية تمام أقسام المياه. فالجملة الاولى من قبيل قولنا (الغيبة محرمة)، والجملة الثانية من قبيل