بحوث في شرح العروة الوثقى - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٩٨
وإن شئتم قلتم: إن إطلاق النفي وشموله في المنطوق لعين النجس لو كان لمجرد مقدمات الحكمة لكان بالامكان أن يراد واقعا من النفي مالا يشمله، لان إرادة المقيد عند ذكر المطلق ليس مستهجنا عرفا، وإن كان على خلاف الطبع، مع أننا نلاحظ الاستهجان في المقام لو كان المراد من النفي مالا يشمل عين النجس فوزان قولنا " إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ " وزان قولنا " إذا أراد زيد أن يسافر فلا يحول دونه شئ ". فكما أنه من المستهجن عرفا أن يقول صاحب القول الثاني بعد ذلك: إني كنت أريد بذلك أنه لا يحول دون خروجه قطرات المطر المتقطعة لا المطر الشديد. كذلك من المستهجن أن يقول صاحب القول الاول بعد ذلك: إني كنت أريد بذلك أنه لا ينجسه المتنجس لا أعيان النجاسات. وكلما كان الاطلاق والشمول بملاك الظهور العرفي على هذا النحو كان التعليق واردا على المطلق، فلا يدل المفهوم إلا على قضية جزئية. وبامكانكم على ضوء النكات التي ذكرناها أن تطبقوا تلك الموازين على سائر الامثلة المماثلة لمحل الكلام. فقد يقول القائل مثلا " إذا جد زيد في درسه فلا يفوقه أحد "، وقد يقول " إذا كنت غنيا فأكرم كل عالم مهما كان عمره ". وقد يقول " إذا كنت غنيا فأكرم العالم ". ففي القول الاول يدل المفهوم عرفا على أن زيدا إذا لم يجد في درسه فسوف يفوقه أحد، لا أنه يفوقه كل احد، وهذا يعني أن التعليق طرأ على المطلق، والوجه فيه أن الاطلاق هنا له قرينة عرفية خاصة، وليس ثابتا بمجرد مقدمات الحكمة، إذ لا يحتمل عرفا اختصاص كلمة " احد " المذكورة في طرف الجزاء بخصوص العادي من الناس، بحيث لو كان القائل يريد بكلامه السابق أن زيدا إذا جد في درسه لا يسبقه الاغبياء من الناس لما كان كلامه عرفيا. وما دام الاطلاق مدلولا لقرينة خاصة فيكون التعليق