بحوث في شرح العروة الوثقى - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٥٧
ففي جريان الاستصحاب إشكال، وذلك لاننا حينما نلقي كمية من الحليب في الماء فلا يخلو من احد فروض ثلاثة: إما أن يكون الحليب قليلا بنحو يستهلك في الماء وينعدم عرفا، وإما أن يكون كثيرا جدا بحيث يستهلك الماء فيه فيكون المتحصل بعد المزج حليبا كله، وإما أن يكون حالة متوسطة فلا يستهلك كل منهما في الآخر. وهذا يعني تكون مائع ثالث لا هو ماء مطلق محضا ولا هو حليب محضا، بل هو مزيج من الماء والحليب. فالمائع الذي يتحصل بعد مزج الماء بالحليب هو ماء مطلق في الفرض الاول، وحليب مطلق في الفرض الثاني، وماء غير مطلق في الفرض الثالث لان المفروض أن الحليب لم يستهلك. ومع كونه موجودا بالفعل ضمن المائع لا يكن المائع متمحضا في المائية، فلا يكن ماءا بقول مطلق. وفي هذا الضوء نعرف أن الشك في خروج الماء عن الاطلاق عند إضافة كمية من الحليب إليه إنما يعقل فيما إذا لم نقطع باستهلاك الحليب في الماء، وأما مع القطع بذلك فلا شك في بقاء الاطلاق. وهكذا يكون الشك في الاطلاق مساويا لاحتمال أن يكون المائع الفعلي بعد المزج مشتملا على حليب له وجود عرفي غير مستهلك، وعليه فلا يمكن أن نشير إلى هذا المائع الفعلي ونقول: إنه كان مطلقا فنستصحب اطلاقه. لاننا نحتمل أن يكون الحليب جزءا من المشار إليه، ومن المعلوم أن الحليب لم يكن مطلقا سابقا ليستصحب إطلاقه، فالمائع المتحصل بعد المزج ليس له حالة إطلاق محرزة سابقا ليجري استصحابها. نعم يمكننا أن نشير إلى ذات الماء السابق المحفوظ فعلا في المائع بعد المزج، فنقول: إن هذا كان مطلقا سابقا ولا ندري هل خرج من الاطلاق أولا، لان الحليب إن كان بقدر مستهلك فهو باق على الاطلاق، وإن كان بقدر لا يستهلك ولا يهلك فهو خارج عن الاطلاق، ولكن لا ينفعنا