بحوث في شرح العروة الوثقى - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٢٨
بحيث ينفعل كل جزء من المائع بسبب ملاقاته للجزء السابق، لان السراية فيما يستقذره العرف ثابتة في أذهانهم العرفية على هذا النحو، فمن الطبيعي أن يفهموا من دليل الانفعال بالملاقاة هذا النحو نفسه. والسر في ثبوت السراية في أذهانهم العرفية بذلك النحو: انهم لا يرون تقذر المائع الملاقي للقذر أمرا تعبديا، ليمكنهم ان يفترضوا تقذر المائع بتمامه في عرض واحد بملاقاة جزئه للنجس، وانما هو بملاك نفوذ أثر تلك القذارة التكويني في تمام المائع. ومن المعلوم أن نفوذ هذا الاثر انما هو بتوسط الجزء الملاقي للقذر، لا أن أثر القذارة يطفر بطفرة لا يتعقلها العرف إلى تمام أجزاء المائع، بل ينفذ هذا الاثر إلى كل جزء أبعد بتوسط الجزء الذي هو اقرب. ويشهد لذلك خفة القذارة في نظر العرف مهما بعد الجزء عن النجاسة، ولهذا لو فرضنا أن المائع موضوع في انبوب طويل جدا ولا قت القذارة مع الجزء الاول منه نجد ان استقذار العرف من الجزء الابعد أخف من استقذاره من الجزء الاقرب، لان تنجس الجزء الابعد إنما يكون بالجزء الاقرب لا بالقذارة العينية مباشرة. واما الاعتراض الثاني المتقدم الذي وجهه المحقق الهمداني وغيره، وركزوا فيه على ان الوجه المذكور للسراية يتوقف على القول بالجزء الذي لا يتجزأ مع انه مستحيل، فيرد عليه: انه لاربط لمسألة استحالة الجزء الذي لا يتجزأ فلسفيا بتحليل السراية من وجهة نظر الارتكاز العرفي، لان تحليلها من وجهة النظر هذه يستدعي فرض أصغر جزء من المائع. بحيث يقبل أن يكون موضوعا للحكم بالنجاسة في نظر العرف، لان قابلية اتصاف الاجسام بالنجاسة عرفا تتوقف على حد أدنى من الحجم، ولهذا لا يتعقل العرف اتصاف البخار بالنجاسة مع أنه جسم بالنظر الدقيق، ولكن صغر