تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية - العلاّمة الحلّي، تحقيق إبراهيم البهادري - الصفحة ٤
(صفحه أ)
كلمة المشرف
بسم الله الرحمن الرحيم
الآن انجزتْ الآمالُ ما وعدتْ
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم رسله وأفضل خليقته محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
أمّا بعد، فغير خفيّ على الفقيه البارع انّ لعلمائنا الإمامية كتباً فقهية، وهي بين مسهبة ومقتضبة ومتوسطة، وقد أُلف كلّ، لغاية خاصة، وممن سبق إلى التأليف وفقَ هذه الأنماط الثلاثة هو الإمام الهمام علاّمة العلماء وأُستاذ الفقهاء جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر (٦٤٨ـ ٧٢٦) فقد ألّف موسوعتين فقهيتين كبيرتين، هما: «منتهى المطلب في تحقيق المذهب» و «تذكرة الفقهاء» وبلغ الغاية فيهما نقل الأقوال والاستدلال عليها وترجيح المختار.
كما ألّف كتابه «قواعد الأحكام» وهو دورة فقهية كاملة بين التبسيط والاقتضاب.
وألّف رسائل مختصرة في الفقه كـ«إرشاد الأذهان» و «تبصرة المتعلمين».
وقد نالت كتبه شهرة واسعة لا سيما في الأوساط العلمية، غير انّ الذي
( صفحه ب )
دعانا إلى كتابة هذه السطور هو التعريف بكتابه الماثل بين يديك أعني «تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية» الذي يتمتع بميزة خاصة وهي العناية الوافرة بالتفريع والتخريج بنحو قل نظيره، كلّ هذا في عصر راج فيه التخريج وفق المذاهب الأربعة، فانّ الاجتهاد وإن أقفل في أواسط القرن السابع[١] إلاّ انّ التفريع وفق المذاهب كان شائعاً قبل الاقفال وبعده، وقد ألف غير واحد من علماء الفريقين كتباً في هذا المضمار نذكر منها ما يلي:
١. «المغني» لعبد اللّه بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي (٥٤١ـ ٦٢٠) وقد أسهب فيه الكلام في الفقه المقارن حسب المذاهب الأربعة ورجح رأي الحنابلة.
٢. «العزيز شرح الوجيز» المعروف بالشرح الكبير تأليف عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الشافعي (المتوفّى سنة ٦٢٣ هـ) مع ترجيح رأي إمامه.
٣. «المجموع» لأبي زكريا محيي الدين المعروف بالنووي (٦٣١ ـ ٦٧٦) وهو شرح لكتاب المهذب لأبي إسحاق الشيرازي (٣٩٦ـ ٤٧٦).
وهذه الكتب مشحونة بالتخريج والتفريع على مذاهب أئمتهم ولذلك أطلق على القرنين: السادس والسابع عصرا التخريج والتفريع.
وقد شاطر علماؤنا الإمامية فقهاءَ السنة في تأليف كتب تفريعية مع فارق خاص وهو انّ باب الاجتهاد كان مفتوحاً عند الإمامية ولم يكن مبنيّاً على فقه إمام خاص بخلاف تفريعاتهم فانّها لا تتعدى عن مذهب إمام معين.
[١] المقريزي: الخطط: ٢ / ٣٤٤ .
( صفحه ج)
ومن الكتب التفريعية التي صنفها علمائنا الإمامية في القرنين السادس والسابع.
١. «السرائر» لمحمد بن إدريس الحلّي(٥٤٣ـ ٥٩٨).
٢. «شرائع الإسلام» تأليف نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن الحسن بن سعيد الحلي المعروف بالمحقّق الحلي (٦٠٢ـ ٦٧٦) وكتابه هذا أفضل ما ألّف في الفقه الإمامي بلغة واضحة، فهو من أحسن المتون ترتيباً وأجمعها للفروع، كما انّ كتابه الآخر «المعتبر في شرح المختصر» كتاب رائع يعدّ من أنفس الكتب الفقهية الاستدلالية وكان السيد المحقّق البروجردي (١٢٩٢ـ ١٣٨٠) يذكر هذا الكتاب في دروسه الشريفة باجلال وإكبار ويقول: لم يؤلف على غراره تأليف.
٣. «بشرى المحقّقين» تأليف أحمد بن موسى بن جعفر بن طاووس (ت٦٧٣هـ) في ستة أجزاء.
٤. «تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية» تأليف العلاّمة الحلي الطائر الصيت وهذا الكتاب من أجمع الكتب الفقهية للفروع عند الشيعة الإمامية، فقد خاض في عباب الفروع واستقى موادها من كتب الفريقين، وأبدى فيه رأي الإمامية حسب موازين فقههم.
وقد مرّ في تقديمنا على الكتاب في الجزء الأوّل انّ شيخنا المجيز آقا بزرگ الطهراني (١٢٩٣ـ ١٣٨٩) حكى عن بعضهم انّه أحصيت مسائله فبلغت أربعين ألف مسألة.[١]
[١] الذريعة: ٣ / ٣٧٨ .
( صفحه د)
والحقّ انّ مسائله الرئيسية أقلّ من هذا، ولكن الفروع المندرجة تحت كل مسألة ربما تناهز ما ذكره شيخنا المجيز.
وقد استمد في جمع الفروع وتحليلها من كتاب «المبسوط» للشيخ الطوسي (ت٤٦٠) و «المهذب» لابن البراج (ت ٤٨١) و «السرائر» لابن إدريس الحلي وغيرها، فعاد الكتاب موسوعة فقهية تفريعية قلّ نظيرها وقد طبع في سالف الزمان طبعة حجرية رديئة.
وها نحن نزفّ البشرى إلى فقهائنا وفقهاء الإسلام بانّ هذا التراث القيم طبع أخيراً في خمسة أجزاء بحلة قشيبة محققاً مصححّاً لا ترى فيه زيغاً ولا عوجاً مقروناً بالتخريج والتوضيح والتحقيق فيما يحتاج إليه.
ولا غرو فانّ محقّق هذا الكتاب هو الفاضل الحجّة الشيخ إبراهيم البهادري المراغي دامت افاضاته فقد كرّس حياته الغالية لإحياء التراث الإسلامي وقد قام بتحقيق وتخريج غير واحد من الكتب.
ونحن بدورنا نتقدم إليه بالشكر ونرجو له مزيداً من التوفيق والعطاء.
حرّره في قم المقدسة
جعفر السبحاني
في ٢٠ جمادي الأُخرى
يوم ميلاد فاطمة الزهراء (عليها السلام)
من شهور عام ١٤٢٢ هـ