تفسير الطبري جامع البيان ت شاكر - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٣٢
وكما قال ابن مفرِّغ: [١]
فَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ: رِجْلٌ صَحِيحَةٌ ... وَرِجْلٌ بِهَا رَيْبٌ مِنَ الحَدَثَانِ [٢] فَأَمَّا الَّتِي صَحَّتْ فَأَزْدُ شَنُوءَةٍ، ... وَأَمَّا الّتِي شَلَّتْ فَأَزْدُ عُمَانِ
وكذلك تفعل العرب في كل مكرر على نظير له قد تقدمه، إذا كان مع المكرر خبر: تردُّه على إعراب الأوّل مرة، وتستأنفه ثانيةً بالرفع، وتنصبه في التامِّ من الفعل والناقص، وقد جُرّ ذلك كله، فخفض على الردّ على أوّل الكلام، كأنه يعني إذا خفض ذلك: فكنت كذلك رجلين: كذي رجل صحيحة ورجل سقيمة. وكذلك الخفض في قوله:"فئة"، جائز على الردّ على قوله:"في فئتين التقتا"، في فئة تقاتل في سبيل الله.
وهذا وإن كان جائزًا في العربية، فلا أستجيز القراءة به، لإجماع الحجة من القرَأة على خلافه. ولو كان قوله:"فئة"، جاء نصبًا، كان جائزًا أيضًا على قوله:"قد كان لكم آية في فئتين التقتا"، مُختلفتين. [٣]
* * *
[١] لم أعرف نسبة هذا الشعر إلى ابن مفرغ، وهو بلا شك للنجاشي الحارثي، من قصيدته في معاوية وعلي، وأكثرها في الوحشيات لأبي تمام، ووقعة صفين: ٦٠١-٦٠٥.
[٢] الوحشيات رقم: ١٨٣، وحماسة ابن الشجري: ٣٣، وخزانة الأدب ٢: ٣٧٨، وأزد شنوءة، وأزد عمان، كانا من القبائل التي قاتلت يوم صفين، وكانت أزد شنودة مع أهل الشام، وأزد عمان في أهل العراق. ورواية الشعر: "وكنتم كذي رجلين ... "، والخطاب لبني تميم وغطفان في قوله قبل ذلك: أَيَا رَاكِبًا إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ ... تَمِيمًا، وَهذَا الحَيَّ مِنْ غَطَفَان
بيد أن رواية البيت: فأمَّا التي شَلَّتْ فَأَزدُ شَنُوءةٍ ... وأَمَّا التي صَحَّتْ فَأَزدُ عُمَانِ
لأن النجاشي كان مع علي، وكانت أزد عمان معه. أما أزدشنوءة فكانت مع معاوية.
[٣] انظر أكثر هذا وأبسط منه في معاني القرآن للفراء ١: ١٩٢-١٩٤، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٨٧، ٨٨.