التحرير والتنوير - ابن عاشور - الصفحة ٢٤
وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ.
مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجُمْلَةِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ أَيْ لَا عُذْرَ لَهُمْ فِي مُحَادَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّ مَعَ الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَاتِ الْقُرْآنِ بَيِّنَةً عَلَى صِدْقِهِ.
وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ.
عُطِفَ عَلَى جُمْلَةِ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، أَيْ لَهُمْ بَعْدَ الْكَبْتِ عَذَابٌ مُهِينٌ فِي الْآخِرَةِ.
وَتَعْرِيفُ (الْكَافِرِينَ) تَعْرِيفُ الْجِنْسِ لِيَسْتَغْرِقَ كُلَّ الْكَافِرِينَ.
وَوَصَفَ عَذَابَهُمْ بِالْمُهِينِ لِمُنَاسَبَةِ وَعِيدِهِمْ بِالْكَبْتِ الَّذِي هُوَ الذل والإهانة.
[٦]
[سُورَة المجادلة (٥٨) : آيَة ٦]
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)
يجوز أَنْ يَكُونَ يَوْمَ ظَرْفًا مُتَعَلِّقًا بِالْكَوْنِ الْمُقَدَّرِ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ مِنْ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ [المجادلة: ٥] .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِ مُهِينٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ تَنْوِيهًا بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَتَهْوِيلًا عَلَيْهِمْ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي أَسْمَاءِ الزَّمَانِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي الْقُرْآنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٣٠] .
وَضَمِيرُ الْجَمْعِ عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [المجادلة:
٥] . وَلِذَلِكَ أُتِيَ بِلَفْظِ الشُّمُولِ وَهُوَ جَمِيعاً حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ.
وَقَوْلُهُ: فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا تَهْدِيدٌ بِفَضْحِ نِفَاقِهِمْ يَوْمَ الْبَعْثِ. وَفِيهِ كِنَايَةٌ عَنِ الْجَزَاءِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ.