الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٢
وفي الإسلام تطليقة، فهل تضم التطليقتان إلى الثالثة، أو لا؟ فقال للسائل «لا آمرك ولا أَنهاك»[١] .
هذا، ولا نعني من ذلك أنّ الشريعة الإسلامية، ناقصة في إيفاء أغراضها التشريعية، وشمول المواضيع المستجدة، اوالمعاصرة لعهد الرسول، بل التشريع الإسلامي كان وافياً بالجميع ببيان سوف نشير إليه [٢].
والّذي يكشف عمّا ذكرنا، أنّه اضطّر صحابة النبي منذ الأيام الأُولى من وفاته صلوات الله عليه وآله، إلى إعمال الرأي والإجتهاد في المسائل المستحدثة، وليس اللجوء إلى الإجتهاد بهذا الشكل، إلاّ تعبيراً واضحاً عن عدم استيعاب الكتاب والسنّة النبوية للوقائع المستحدثة، بالحكم والتشريع، ولا مجال للإجتهاد وإعمال الرأي فيما يشمله نصٌّ من الكتاب أو السنّة بحكم، ولذلك أحدثوا مقاييس للرأي، واصطنعوا معايير جديدة للإستنباط، وألواناً من الإجتهاد، منه الصحيح المتّفق عليه، يصيب الواقع حيناً، ويخطئه أحياناً، ومنه المُريب المختلف فيه. وكان القياس أوّل هذه المقاييس وأكثرها نصيباً من الخلاف، والمراد منه إلحاق أمر بآخر، في الحكم الثابت للمقيس عليه، لاشتراكهما في مناط الحكم المستنبط. وكان القياس بهذا المعنى (دون منصوص العلة) مثاراً للخلاف بين الصحابة، والعلماء فقد تبنّته جماعة من الصحابة والتابعين، وأنكرته جماعة أُخرى، وعارضوا الأخذ به، منهم الإمام علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأئمة أهل البيت، ثم اصطنعوا بعد ذلك معايير أخرى، منها المصالح المرسلة، وهي المصالح الّتي لم يُشَرّع الشارع حكماً بتحقيقها، ولم يدلّ دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها .
وهناك مقاييس أخرى، كسدّ الذرائع، والإستحسان، وقاعدة شَرْع من
[١] كنز العمال، ج ٥، ص ١١٦ .
[٢] حاصله أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يراعي في إبلاغ الحكم حاجة الناس، ومقتضيات الظروف الزمنية، فلا بد ـ في إفياء غرض التشريع ـ أن يستودع أحكام الشريعة من يخلفه، ويقوم مقامه، لإيفاء أغراضه الّتي لم يقدّر له تحقيقها في حياته الكريمة.