الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٨٢
السماء قد تخلّت عن الأرض، وأسلمتها إلى الظلمة، والوحشة بعد تألّق الضوء في ضحى النهار.
فإذا كان هذا حال الفيض المحسوس، الّذي به حياة البشر، فهكذا حال الفيض المعنوي، فينزل الوحي ويغرق المجتمع في بهاء نوره، ثم يسكن، فلا عجب في أن يجي ـ بعد أُنس الوحي، وتَجَلّي نوره على النبي الأكرم ـ فترة سكون يفتر فيها الوحي على نحو ما نشهد من الليل الساجي، يوافي بعد الضحى المتألق.
فإذن، القَسَم بالضحى، وباليل إذا سجى، بيان لصورة حسيّة، وواقع مشهود، يمهّد لموقف مماثل لكن غير حسّي ولا مشهود، وهو فتور الوحي بعد إشراقه وتجلّيه.
فعند ذلك، يتجلّى تخصيصهما بالقسم دون غيرهما ممّا ورد في القرآن من الأمور المقسم بها. كما يتّضح أنّ نزول الوحي تدريجاً، ليس دليلاً على أنّه سبحانه ترك نَبِيَّه أو قَلاه. وذلك لأنّ فتور الوحي، كنزول الليل بعد الضحى، فكما هو ليس دليلاً على تخلّي السماء عن الأرض، وتسليمها إلى الظلمة، فهكذا نزول الوحي نجوماً، ليس دليلاً على أنّه سبحانه تخلّى عن رسوله، وتركه بين أعدائه أو قلاه.
وبذلك يظهر إتّقان جواب القسم أعني قوله سبحانه:
(مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مَا قَلَى).
ومن لطائف ما ورد في الجواب هو أنّه حذف المفعول من قوله: (وما قلى)، ولم يقل: «قَلاَكَ». وليس ذلك رعاية للفاصلة، لأنّه عَدَلَ عن رعايتها في آخر سورة الضحى، حيث قال: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ * وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)إذ ليس في السورة، حرف الثاء على الإطلاق، وكان بوسعه أن يقول مكان حَدِّث، فَخَبِّر، لتتفق الفواصل على مذهب أصحاب الصنعة. فهذا دليل على أنْ الحذف لوجه آخر، كما أنّ العناية بذكر بلفظة «حدّث»، مكان «خَبَر»، لنكتة موجودة في الأولى دون الثانية.