ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣
الأوليين و هذا الحكم مبنيّ على تحريم المسّ للمحدث بالحدث الأصغر و هو المشهور بين الأصحاب حتى أنّ الشيخ في الخلاف نقل إجماع الفرقة عليه و ألحق بها أبو الصّلاح اسم اللّٰه تعالى و خالف الشيخ في المبسوط فزعم الكراهة و هو المحكي عن ابن البراج و ابن إدريس
قال في الذكرى بعد نسبة الكراهة إلى المبسوط و يلزم ابن الجنيد الكراهة لأنه يكره ذلك للجنب و الحائض و حدثهما أقوى و قد يريدان بالكراهة الحرمة.
و لا يخفى أن حمل كلام الشيخ على الحرمة يخالف ما قال في موضع آخر من المبسوط بعد تقسيم الوضوء إلى الواجب و المندوب فالواجب هو الذي يجب الاستباحة الصّلاة أو الطواف لا وجه لوجوبه إلا هذين
حجة الأول وجهان الأوّل قوله تعالى إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
و الاستدلال بهذه الآية مبنيّ على إرجاع ضمير لا يمسّه إلى القرآن و كون الجملة صفة للقرآن أو خبرا ثالثا لإن و حينئذ يكون النفي بمعنى النهي قيل نقلا عن التبيان و مجمع البيان و عندنا أنّ الضمير يعود إلى القرآن فلا يجوز لغير الطاهر مسّه قيل و ينبه عليه قوله تعالى تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعٰالَمِينَ فإنه صفة للقرآن أو خبر آخر لإن و ما نقل عن بعض الصّادقين من أن المراد المطهّرون من الأحداث و الخباثات.
و في بعض الأخبار الذي ينبغي أن يعد من الصّحاح نسب المنع إلى الآية الشريفة
و لقائل أن يقول لا يتعين إرجاع الضّمير إلى القرآن فيجوز أن يكون راجعا إلى الكتاب و يكون المعنى في كتاب مكنون أي اللوح المحفوظ لا يمسّ ذلك الكتاب إلا الملائكة المطهرون من أدناس الذنوب كما ذكره صاحب الكشاف و يرجّحه قرب المرجع و إبقاء الجملة على ظاهرها.
و كلام التبيان و مجمع البيان و إن كان مشعرا باتفاق الأصحاب على إرجاع الضمير إلى القرآن لكن في إثباته إشكال و لو سلّم رجوع الضمير إلى القرآن يحتمل أن يكون المراد لا يمسّه إلا المطهرون حال كونه في اللوح المحفوظ إبقاء للجملة على ظاهرها و أيضا على تقدير الرجوع إلى القرآن و العدول عن ظاهر الخبريّة الحمل على النهي التحريميّ غير لازم إذ يجوز أن يكون المراد لا ينبغي أن يمسّه إلا من هو على الطهارة من النّاس كما قال صاحب الكشّاف و حينئذ لا يستفاد منها أكثر من الكراهة.
و قد يقال إذا تعذّرت الحقيقة يتعين الحمل على أقرب المجازات إليها و هو هاهنا التحريم إما بطريق النهي أو الأخبار و هو لا يصفو عن شوب التأمّل ثم على تقدير التنزل عن ذلك كلّه يمكن أن يقال يصدق المطهر على الطاهر من الحدث الأكبر بل على الطاهر من الأخباث فلا يقتضي الطهارة عن الحدث الأصغر
و قد يقال الطهارة حقيقة في المعنى الشرعي لثبوت الحقائق الشرعية و حينئذ يتم الاستدلال بالآية.
و فيه أنا لا نسلم ثبوت حقيقة شرعية فيها سلّمنا لكن يحتمل الحمل على المجاز حذرا عن التأويل الذي ذكر و لا بد للترجيح من دليل مع ما يرد عليه من الأبحاث التي ذكرنا آخرا و بالجملة إثبات التحريم بالآية لا يخلو عن إشكال نعم لو ثبت صحة الخبر الدال على أنّ المراد بالآية ذلك كان هو المعتمد لكني لم أطلع في هذا الباب إلا على خبر لا يبلغ درجة الصحة
الوجه الثاني الأخبار منها ما
رواه الشيخ عن أبي بصير في الموثق قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عمّن قرأ في المصحف و هو على غير وضوء قال لا بأس و لا يمسّ الكتاب
و ليس في سند هذه الرّواية ما يوجب التوقف إلا من جهة أبي بصير و الحسين بن المختار فإن الحسين واقفي و أمّا أبو بصير فإنّ كثيرا من أصحابنا المتأخّرين يتوقفون فيه زعما منهم اشتراكه بين الثقة.
و الظاهر عندي أنه لا توقف من هاتين الجهتين أمّا الجهة الأولى فلما حققته من عدم اشتراك أبي بصير بين الثقة و غيره بل هو إمّا يحيى بن أبي القاسم أو ليث بن البختري المرادي و كلاهما ثقتان و احتمال غيرهما بعيد سيّما إذا كانت الرّواية عن الصّادق ٧ فإنه لا يحتمل حينئذ غيرهما و ما زعم من أن يحيى واقفي توهّم و سيجيء تحقيق ذلك في مسألة الكر و لأجل ذلك ألحقت أخبار أبي بصير بالصّحاح إذا لم يكن قادح في الصّحة من غير جهته و على هذه القاعدة جريت في مباحث هذا الشرح و أمّا الحسين بن المختار فهو و إن كان واقفيا على ما ذكر الشيخ في رجاله لكن نقل المصنف عن ابن عقدة عن عليّ بن الحسن بن فضال توثيقه.
و ذكر المفيد في إرشاده أنّ الحسين من خاصّة الكاظم ٧ و ثقاته و أهل العلم و الورع و الفقه من شيعته.
و ذكر ثقة الإسلام في الكافي قال عن الحسين بن المختار قال لي الصادق رحمك اللّٰه و قد روى جماعة من الثقات عنه نصّا على الرّضا ٧ و في رواية حماد بن عيسى كتابه و حماد ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه إشعار بالاعتماد على نقله و بالجملة هذا الخبر من الموثقات و الصحيح عندي العمل بالأخبار الموثقة إذا سلّمت عن معارض أقوى منها فإنّي أعمل بكل خبر يحصل الظنّ بنسبته إلى المعصوم ٧ و على هذه القاعدة تدور رحى العمل بالترجيحات في هذا الكتاب و غير خاف على اللبيب إفادة الخبر المذكور للظن و تحقيق هذا المقام ليس من وظيفة هذا الشرح بل هو نظر أصولي يتعلق بفنه و إنّما الغرض هاهنا الإشارة إلى الأصل الذي يبنى كثير من الترجيحات في هذا الشرح عليه و منها ما
رواه الشيخ عن حريز في الصحيح عمن أخبره عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال كان إسماعيل بن أبي عبد اللّٰه ٧ عنده فقال يا بني اقرأ المصحف فقال إني لست على وضوء فقال لا تمس الكتاب و مسّ الورق و اقرأه
و إنّما صحّحنا الخبر عن حريز مع أنه من رواية المفيد عن أحمد بن محمّد عن أبيه و أحمد بن محمد هذا إمّا مشترك بين أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد و أحمد بن محمد بن يحيى أو مختص بالأول على ما رجّحه بعض العلماء و هما غير موثقين في كتاب الرّجال لأن الظاهر أنّهما من مشايخ الإجازة و ليسا بصاحب كتاب و الغرض من ذكرهما رعاية اتصال السّند و الاعتماد على الأصل المأخوذ منه فلا يضرّ جهالتهما و عدم ثقتهما و ما يوجد في كلام الأصحاب من تصحيح الأخبار التي إحداهما أو نظيرهما في الطريق مبني على هذا لا على التوثيق و في هذا الخبر ضعف من حيث الإرسال لكن الخبر صحيح إلى حماد بن عيسى و هو ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه و فيه إشعار ما بقوة الخبر و منها ما
رواه الشيخ عن إبراهيم بن عبد الحميد في القوي عن أبي الحسن ٧ قال المصحف لا تمسّه على غير طهر و لا جنب أو لا تمس خطه و لا تعلقه إنّ اللّٰه تعالى يقول لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
و منها ما رواه الشيخ عن عليّ بن جعفر في الصحيح على الظاهر أنه سأل أخاه موسى بن جعفر ٧ عن الرّجل أ يحل له أن يكتب القرآن في الألواح و الصحيفة و هو على غير وضوء قال لا
و لا يخفى أن صحة الاستدلال بالأخبار الثلاثة الأول موقوف على ثبوت أنّ صيغة النهي المذكورة في الأخبار المنقولة عن الأئمّة : ظاهرة في التحريم و للتأمّل فيه مجال.
و إن قلنا بأنّها حقيقة فيه في القرآن و الأحاديث النبويّة على ما هو التحقيق و وجه التأمّل شيوع استعمال النهي في الكراهة في الأخبار المذكورة شيوعا تاما يوجب الشك في ظهورها في معنى التحريم كما أفاده بعض الأصحاب و نحوه الكلام في دلالة الأمر على الوجوب و على هذا فلا بد في مواضع الاستدلال بالنهي على التحريم من الاستعانة بانضمام قرينة توجب الظهور فيه و حصولها في محل البحث غير واضح.
و يمكن أن يجعل الشهرة أمارة لذلك و لكنه لا يصفو عن شوب التأمّل بالكليّة.
أما الخبر الأخير فلعلّ صلاحيته للتأييد أقرب بيانه أنّه مصروف عن ظاهره و هو تحريم كتابة القرآن للمحدث إذ لا أعلم قائلا به من الأصحاب فالخبر محتاج إلى التأويل إمّا بحمل نفي الحلية على نفي الإباحة لا نفي الجواز المقابل للتحريم و إمّا بأن يقال الحكم مبنيّ على الغالب من وقوع المسّ عند الكتابة إذ عدم وقوع مس المكتوب للكاتب عند الكتابة ممّا يحتاج إلى التحفظ التّام و هو قليل خلاف الشائع الغالب و الخبر على التأويل الثاني يوافق المدّعى دون الأول و لا يبعد ترجيح الثاني فإذن الخبر يصلح للتأييد حجة القول الثاني أصل الإباحة و أنه لم يعهد من السّلف منع الصّبيان من المسّ و للتأمّل في التعليلين مجال و المسألة محلّ إشكال و إن كان لترجيح القول الأوّل وجه
و يستحبّ
لمندوبي الأولين لا خلاف في استحباب الوضوء للصلاة المستحبة و كذا في اشتراط صحّتها به و يجوز الدخول به في الفرائض و الظاهر أنه لا خلاف في ذلك و نقل اتفاقهم عليه ابن إدريس و في المنتهى أنه قول أهل العلم.
و أمّا الطواف المستحبّ ففي كون الوضوء شرطا لصحّته أو لوقوعه على الوجه الأكمل