ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٣
و ابن الجنيد ثم قال لم أعرف لقدمائنا نصّا على التعيين و نقل الشهيد في الذكرى عن ابن الجنيد القول باستحبابها و القول بأنه لو غربت عنه النيّة قبل ابتداء الطهارة ثم اعتقد ذلك و هو في عملها أجزأه ذلك و عن الجعفي القول بأنه لا بأس إن تقدّمت النية العمل أو كان معه و هي لغة مطلق العزم و أما شرعا فقد اختلف عبارات الأصحاب و أقاويلهم في القدر الواجب منها فالمفيد في المقنعة و الشيخ في النهاية اكتفيا بالقربة و هو المحكي عن المحقق في بعض رسائله
و في المبسوط ذكر نية الرفع أو استباحة مشروط بالطهارة و لم يذكر القربة قال الشهيد و الظاهر أنه تركها لظهورها و المحقق في المعتبر صرّح بالقربة و أحد الأمرين و عدم اشتراط الوجوب أو الندب مع عدم اشتراط أحد الأمرين المذكورين و ابن زهرة في الغنية جمع بين الأربعة و بين الطاعة
و اختار الشهيد القربة و الوجوب أو الندب و أحد الأمرين و المصنف في القواعد ذكر القربة و أحد الأمرين و الوجوب و الندب أو جهتهما و هنا أقوال أخر نقلها الشهيد في الذكرى
الأوّل الاستباحة قال إنه يلوح من كلام المرتضى
الثاني الجمع بين القربة و الوجه و الرفع و الاستباحة و نسبه إلى أبي الصّلاح و ابن البراج و ابن حمزة و الراوندي
الثالث الوجوب أو وجهه إن كان واجبا أو الندب و الرفع أو الاستباحة ذكر أنه مستفاد من تفاريق كلام ابن إدريس قال إنه لم يذكر القربة و ادعى الإجماع على وجوب نية الرفع أو الاستباحة
الرابع إطلاق النية و نسبه إلى الجعفي و سلار و اعلم أنه ثبت بالأدلة الكثيرة تحريم الرّياء في العبادات و إيجاب أن يكون الفعل للّه و هذا يقتضي أن تكون العلة الغائية للفعل هو إرادة التقرب إلى اللّٰه سبحانه بأحد المعنيين أعني موافقة إرادته أو طلب الرفعة و نيل الثواب عنده بمعنى أنه كلما ذكر الفعل في أثنائه كان معتقدا أن الغرض منه التقرب فإن ثبت إجماع على وجوب أمر زائد على ذلك كان هو المعتمد و إلا كان للتأمّل مجال
قال صاحب البشرى على ما حكى عنه الشهيد (رحمه اللّٰه) في الذكرى لم أعرف نقلا متواترا و لا آحادا يقتضي القصد إلى رفع الحدث أو الاستباحة لكن علمنا يقينا أنه لا بد من نية القربة و إلا كان هذا من باب اسكتوا عمّا سكت اللّٰه عنه و الظاهر أنّ من ذكر النية من القدماء و أطلق لم يقصد سوى ما ذكرنا و أكثرهم لم يذكروها و كأنهم أغناهم التشديد العظيم الواقع في الشريعة في تحريم الرياء و إيجاب أن يكون الطاعات للّه عن ذكرها بخصوصها
و لعلّ لهذه العلة لم يقع حديث النية في شيء من الأخبار الواردة في بيان حقائق الوضوء و الصّلاة و غيرهما خصوصا في مواقع التعليم و البيان مع عموم البلوى بها و شدة الاحتياج إليها و غاية إشفاقهم على شيعتهم و من هنا يظهر أن أمر النية هين مسامح فيه لا يجري فيها التدقيقات التي ذكرها المتأخرون حتى استصعب على رهط من النّاس فوقعوا في الشدة و الوسواس على خلاف ما عهد من سنن الأئمّة و طريقة كبراء القوم و عظماء الأسلاف
و من هنا قال بعض الفضلاء لو كلف اللّٰه العباد بغير نية كان تكليفا بما لا يطاق و اقترب من الحقّ نعم الأمر المهم إخلاص العمل و تصفيتها عن ثوب الرياء الذي هو أخفى من دبيب النملة السّوداء في الليلة الظلماء على الصّخرة الصّمّاء و تخليصها عن الأغراض الفاسدة و الدّواعي الباطلة و هو مرتبة مستصعبة لا ينال أقصاها إلا الأنبياء و الأولياء و الصّدّيقون
و كأنه إشارة إليه ما روي عن كلام مولانا أمير المؤمنين ٧ تخليص العمل من الفساد أشد من طول الجهاد و تتفاوت درجات المريدين في نيل هذه البغية و درك هذا المطلب و إنّما يحصل الترقي على مراقيه العالية و الصّعود على مراتبه السّامية بسبب كثرة الرّياضات الشرعيّة و قوة المجاهدات العقلية و تطويع القوى للقوى العاقلة و كسر الدّواعي البدنية و التزهد في الدّنيا البائدة الهامدة و حط الأغراض الزائلة الفاسدة و التحلي بحلية الصالحين و اقتفاء آثار المتقين جعلنا اللّٰه و إيّاكم من الواصلين إلى هذه الدّرجة الفائزين بنيل هذه البغية فإنّها من أعاظم مطالب الطالبين
ثم اعلم أنهم استدلّوا على وجوب النية بقوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الآية و فيه نظر سيظهر و بقوله ٧ إنّما الأعمال بالنيات بناء على أن الظاهر من الحصر انتفاء حقيقة العمل عند انتفاء النية و حيث تعذّر الحمل على هذا نحمله على أقرب المعاني إليه و هو نفي الصحة و المشروعية
و فيه نظر لأن الأعمال أعمّ من العبادات بحسب اللغة و العرف و لم يثبت هنا حقيقة شرعية توجب حملها عليها أو توجب التشكيك في حملها على المعنى اللغوي فيجب حملها على المعنى اللغوي
و حينئذ لو حمل الحصر على نفي الصحّة بدون النية يلزم التخصيص و إخراج غير العبادات فيجب الحمل على نفي الثواب بدونها حتى لا يلزم ذلك و مقاومة قرب المجاز اللازم في الأوّل اللازم في الثاني ممنوعة و لو نوقش في لزوم حمل الأعمال على المعنى اللغوي كانت غاية الأمر الشك في مدلوله فلم يبق وثوق في الحمل على نفي الصحة في مقام الاستدلال على أن الخبر غير صريح في الدلالة على وجوب النية بالمعنى المصطلح لما فيه من الإجمال و قريب منه الاستدلال بحديث لا عمل إلا بنية و إنما لكل امرئ ما نوى بل هو أخفى دلالة على المطلوب
و هي عند المصنف إرادة الفعل فبدون الإرادة لا يكون ناويا بل إن صدر الفعل كان على سبيل السّهو و النسيان لوجوبه أو ندبه أو لوجههما و المراد بالوجه الغاية التي لأجلها كان ذلك الحكم و هو كونه لطفا في التكاليف العقلية أو كونه إخلالا بالمفسدة الحاصلة في الترك و عند أبي القاسم البلخي من المعتزلة كونه شكرا لنعم اللّٰه تعالى و عند الأشعريّة أن الأحكام إنما شرعت لمجرد الأمر و النهي لا لأجل غاية أخرى بناء على نفي قاعدة التحسين و التقبيح العقليين و نفي الغرض عن أفعاله تعالى ثم الظاهر أنّ هذا الحكم من المصنف مبني على ما ذكره في كتبه الكلامية وفاقا للمحقّق الطوسي و غيره ممن يذهب مذهب العدل أنه يشترط في استحقاق الثواب على فعل الواجب أن يوقع لوجوبه أو لوجه وجوبه و المندوب كذلك لا للذة أو عادة أو غيرهما
و الظاهر من كلام المصنف أنه وجب عليه الجمع بين غاية التقرب و الوجوب التعليلي فلو فعله لوجوبه من غير ملاحظة التقرب أو فعله متقربا من غير أن يكون الوجوب علّة للفعل و إن لاحظ اتصافه بالوجوب لم يكف
و من هنا يظهر أنّ القائلين باشتراط نية الوجوب أو الندب منهم من يكتفي بقصد أحدهما من غير ملاحظة تعليل الفعل به كما هو ظاهر الأكثر و منهم من لم يكتف بذلك بل الشهيد ره في الدروس جمع بين الوجوب الوصفي و التعليلي في نية الصّلاة و قد ينقل عن الشهيد ره أن ذكر الوجوب هنا لإخراج عبادة و فيه أن القربة كاف لإخراج الرّياء
و ممّا استدل به على اشتراط نية الوجوب أو الندب وجهان الأول أن إيقاع الفعل على وجهه واجب و لا يتم إلا بذلك و رد بأنه إن أريد بوجوب إيقاع الفعل على وجهه إيقاعه على الوجه المأمور به شرعا فمسلم لكن كون النية المذكورة ممّا يعتبر شرعا أوّل البحث و إن أريد به إيقاعه مع قصد وجهه الذي هو الوجوب أو الندب فممنوع و هل هو إلا مصادرة
الثاني أن الوضوء يقع تارة على وجه الوجوب و تارة على وجه الندب فحيث كان أحد الأمرين مطلوبا اشترط تشخيصه بأحد الأمرين ليتميز عن مقابله و فيه أن اجتماع القسمين في زمان واحد ممنوع على أن التميز لا يتوقف على ما ذكرتم لجواز حصوله بالغاية و استدل نافي الاشتراط بمفهوم الحصر في قوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ الآية فلو زيد عليه لكان نسخا لمنافاة الزيادة له و استضعف بمنع أن مطلق الزيادة مناف للإخلاص و الحصر بل إنّما ينافيهما ما ينافي الإخلاص و الأولى التمسّك بأصل الإباحة و إطلاق الآية
قال المحقق في بعض تحقيقاته الذي ظهر لي أن نية الوجوب و الندب ليست شرطا في صحة الطهارة و إنّما يفتقر الوضوء إلى نية القربة و هو اختيار الشيخ أبي جعفر الطوسي ره في النهاية فإن الإخلال بنية الوجوب ليس مؤثرا في بطلانه و لا إضافتها مضرّة و لو كانت غير مطابقة لحال الوضوء في