الشفاء المنطق (البرهان - الجدل)

الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٩

و البرهان هو السبيل القويم للاستدلال العلمى، فبه تمحّص قضايا العلم، و يبيّن صوابها و خطؤها.

فلا تسمو التجربة إلى منزلته، لأنها انما تنصب على بعض الجزئيات و كثيرا ما تخطئ١. و لا يصل الاستقراء إلى مستواه، لأنه شبيه بالتجربة، و كل ما يؤدى اليه إنما هو ظن غالب٢اللهم إلا إن كان استقراء كاملا، و حين ذاك يكون بالقياس أشبه، و هذه لغة لا تختلف عما قال به أرسطو.

على أن هذا رأى ابن سينا هنا، أما فى الطبيعة و الطب فيقف منهما موقفا آخر. و يدعو إلى الملاحظة الصادقة و التجربة المنظمة، و كثيرا ما يستشهد على الرأى الذي يرتئيه بتجاربه الخاصة و ملاحظاته الشخصية، و فى اختياره للأدوية و تشخيصه للأدواء يضع طائفة من القواعد التي لا بد أن يكون قد أفاد منها المنهج التجريبى الحديث٣. و لعل فى هذا ما يفسر لنا الخلاف القائم حول الجديد فى منطقه، فهناك من يرى أنه ذهب فى سن متأخرة إلى منطق جديد أهم مميزاته إحلال الحس المستمد من البحث العلمى و التجربة محل القياس النظرى٤، و من يرى أن ليس فى الأمر جدّة و أن الشيخ الرئيس إنما حاذى منطق أرسطو فى ترتيب أكمل و عرض أوضح٥.

و لا شك فى أن ابن سينا الفيلسوف و الميتافزيقى لا يكاد يسلم إلا بالبرهان و الاستدلال القياسى، أما ابن سينا العالم و الطبيب فذو نزعة تجريبية واضحة مهّدت لروجر بيكون و من جاء بعده من أنصار المنهج التجريبى فى التاريخ الحديث؛ إلا أن هذا - فيما نعتقد - لا يدعو إلى القول بأنه انتهى إلى منطق جديد، بجانب منطقه القديم.

و لكل علم موضوعه الخاص به، و من هنا تنوّعت العلوم و تعددت. بيد أن من بينها ما تباين موضوعه كالطبيعيات و الرياضيات، و ما تقارب و تشابه كالحساب، و الهندسة٦، و لكل علم

(١) المصدر نفسه، ص ٩٦.

(٢) ««، ص ٩٨.

(٣) ابن سينا، المدخل، القاهرة ١٩٥٢، مقدمة، ص (٣٣).

(٤) الآنسة جواشون الكتاب الذهبى للهرجان الألفي لذكرى ابن سينا القاهرة ١٩٥٢، ص ٢٤٦، ٥٨-٤١.

(٥) عبد الرحمن بدوى، البرهان من كتاب الشفاء، القاهرة ١٩٥٤ ص ٤١-٤٤.

(٦) ابن سينا، البرهان، ص ١٥٧.