رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٥٣ - الرسالة التاسعة من العلوم الناموسية و الشرعية في كيفية أنواع السياسات و كميتها(و هي الرسالة الخمسون من رسائل إخوان الصفاء)
بقعة عالية على متن جبل الأعراف. فلما تخلّصت من أسفل السافلين حتى وصلت إلى أعلى عليّين بوحدتك و انقطاعك و غربتك عن أهلك و أوطانك و أحبائك و جيرانك و أصدقائك و أخلّائك، و ذهاب نعيم جسمك، و فقد مالك و ولدك، و صبرك على الفتن و البلوى، و ركوبك مطية الصبر، و سلوكك في طريق وعر، و ارتقائك على جبال يصعب على غيرك طلوعها، و هبوطك في أودية لا يسهل على غيرك الهبوط فيها، فكنت ما بين جبل ترتقيه، و وحش مهلك تتقيه، و مهمه داثر شاسع تخشى أن تضلّ فيه، فلم تزل بين شدائد متكاثفة، و أهوال مترادفة كصاحب سفينة في بحر مظلم في ليل مغيّم قد غاب قمره، و استترت أنجمه، و عصفت به الرياح من كل جانب، و ارتفعت حوله الأمواج من كل مكان، و هو صابر على ما حل به، يدعو إلى ربه الوسيلة إلى الخلاص و النجاة مما هو فيه، فهو بسكّانه يدير سفينته، و يتجنّب بها موارد الهلكة بمعرفته و بما ألهمه اللّه سبحانه من العلم و العمل بما يكون به نجاته. فلم تزل تلك حاله حتى وصل إلى مكان بغيته و مقرّ طمأنينته.
فلما وصلت أيها الأخ السعيد إلينا، و اطّلعت علينا، و امتحنّاك بحيث نراك كما يمتحن مثلك ممن يصل إلينا و يرد علينا، فرأيناك صابرا نعم العبد للّه عزّ و جل، و لما رأيناك بهذه الصفة و عرفناك بهذه المعرفة لم يحلّ لنا و لا وسعنا في ديننا أن نكتمك النصيحة و لا نؤدّي إليك الأمانة لئلا ترانا بعين الخيانة، و ليصح عندك قول نبيك الصادق الفاضل السيد الكامل: «سافروا تغنموا» فتعود راجعا بعد طول سفرك بلا غنيمة تغتنمها و لا حاجة تبلغها، فرأيناك و كان بالله توفيقنا بما رأيناه بإلهام منه لنا و وحي إلينا في رؤيا صادقة أراناها بمنّه أن نجعلك داعيا إلينا، و دالّا علينا، و مبشرا بظهور أمرنا و انكشاف سرّنا من رأيته من إخواننا و أهل ملّتنا، إذ كانوا لا يقدرون على ما قدرت عليه، و لا يصلون إلى ما وصلت إليه، لتعذّر الأمور عليهم، و صعوبة الزمان