ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٢ - ٢ - إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية، و إرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية
كمن كسا الفضة بالنحاس و هو قليل، إذ الغالب أن من تنشب ظاهره تنشب باطنه، و من اشتغل ظاهره بالحس اشتغل باطنه به، و القوة لا تكون في الجهتين، و من جمع بين تجريدي الظاهر و الباطن فهو الصديق الكامل، و هو الذهب المحرر الصافي الذي يصلح لخزانة الملوك [و للتجريد[١]]. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه: آداب الفقير المتجرّد أربعة: الحرمة للأكابر و الرحمة للأصاغر و الإنصاف من نفسك و عدم الانتصار لها، و آداب الفقير المتسبب أربعة: موالاة الأبرار و مجانبة الفجار و إيقاع الصلاة في الجماعة و مواساة الفقراء و المساكين بما يفتح عليه، و ينبغي له أيضا أن يتأدّب بآداب المتجردين إذ هو كمال في حقه، و من آداب المتسبب إقامته فيما أقامه الحق تعالى فيه من فعل الأسباب حتى يكون الحق تعالى هو الذي ينقله منها على لسان شيخه إن كان أو بإشارة واضحة كتعذرها من كل وجه، فحينئذ ينتقل للتجريد، فإرادته التجريد مع إقامته تعالى له في الأسباب من الشهوة الخفية لأن النفس قد تقصد بذلك الراحة و لم يكن لها من اليقين ما تحمل به مشاق الفاقة، فإذا نزلت بها الفاقة تزلزلت و اضطربت و رجعت إلى الأسباب فيكون أقبح لها من الإقامة فيها، فهذا وجه كونها شهوة، و إنما كانت خفية لأنها في الظاهر أظهرت الانقطاع و التبتل و هو مقام شريف و حال منيف، لكنها في الباطن أخفت حظها من قصد الراحة أو الكرامة أو الولاية أو غير ذلك من الحروف، و لم تقصد تحقيق العبودية و تربية اليقين. وفاتها أيضا الأدب مع الحق حيث أرادت الخروج بنفسها و لم تصبر حتى يؤذن لها و علامة إقامتها فيها دوامها له مع حصول النتائج و عدم العوائق القاطعة له عن الدين و حصول الكفاية بحيث إذا تركها حصل له التشوف إلى الخلق و الاهتمام بالرزق فإذا انخرمت هذه الشروط انتقل إلى التجريد. قال في التنوير: «و الذي يقتضيه الحق منك أن تمكث حيث أقامك حتى
[١] - الزيادة من الأصل.