بحوث في شرح العروة الوثقى - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٢
ذيل الاية المستفاد من قوله تعالى: (وإنا عن ذهاب به لقادرون) يدل على إرادة مطلق الماء لا خصوص ماء المطر، لان الذهاب بماء المطر وحده لا يوجب بلاء، لامكان اكتفاء الناس بسائر المياه. مدفوعة بأن ارادة ماء المطر وحده كافية في صحة التهديد، لان لماء المطر آثارا عظيمة في حياة الانسان، وزراعته لا يمكن الحفاظ عليها بدونه. هذا مضافا إلى أن قرينة التهديد لا توجب إثبات الاطلاق، بل كون النازل من السماء مقرارا يصح التهديد بذهابه، وهذا لا يكفي لاثبات أن جمنع المياه حتى ماء البحر مثلا نازل من السماء، لاننا إذا افترضنا أن المقصود بالماء المتوعد بذهابه هو غير ماء البحر من بقية المياه مثلا لكفى ذلك في صدق التهديد، فلا يمكن جعل التهديد قرينة على الاطلاق. على اننا يمكننا ان نفرض تبخير ماء وصيرورة البخار ماء، فان سلمنا أن الماء الاول كان نازلا من السماء، لا نسلم كون الماء المستحيل إليه البخار عين الماء الاول، بل يعد ماء جديدا وليس نازلا من السماء، فلا يشمله الاطلاق. ولهذا فان نفس من يستدل بقوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء) يعترف بأن الماء النجس يستحيل بالتبخير ويكون الماء الحاصل من بحاره طاهرا. الرابع: أن الطهورية المستفادة من الاية إنما هي ثابتة لماء المطر بما هو ماء بقطع النظر عن مطريته وإنزاله من السماء، فانها جعلت صفة للماء الذي جعل موضوعا للانزال، فالانزال تعلق بالماء الطهور لا أن الطهورية تعلقت بالماء النازل، وهذا يعنى أن الطهور ثابتة للماء في المرتبة السابقة على الانزال، وإذا ثبتت طهارته بما هو ماء ثبتت طهارة جميع المياه. وفيه: أن هذا غاية ما يدل عليه أن الانزال من السماء ليس بما هو إنزال، دخيلا في موضوع الحكم بالطهورية، ولكنه لا ينفي دخالة أمر آخر